عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

47

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

فأحدها : أن لنفس النبي قوة جبلية مركوزة في أصل فطرتها قابلة لمشاهدات النقوش الغيبية الروحانية والأنوار الربانية ، كاملة في هذا المعنى ، بحيث لا تخطىء له فراسة ولا رؤية ولا يقع الكذب والتفاوت فيما يخبر ويروي . وثانيها : أن نفسه قابلة للفيض الإلهي بواسطة جبريل وغيره من الملائكة - عليهم السلام - وبلا واسطة ، بأن يسمع كلام الحق تعالى . وثالثها : أن اللّه تعالى يتجلى لبعضهم ببعض الصفات ، كما تجلى لموسى - عليه السلام - بالصفة السمعية ليسمع كلامه ، وتجلى لعيسى - عليه السلام - بالصفة المحيية ليحيي الموتى . ورابعها : أن من الأنبياء ، - عليهم السلام - من يتجلى له اللّه تبارك وتعالى بذاته وجميع صفاته وهو نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - ، تجلى له ليلة المعراج فأخبر عن تلك الحالة بقوله : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل » « 1 » . وخامسها : أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - معجزة لنفوذ تصرفه في الأعيان وتقليبها عن طبعها وصورتها وإظهار الأشياء المعدومة وإخفاء الموجودة كأحوال عصا موسى - عليه السلام - . وأخبر اللّه تعالى عن حالة نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - بقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] وقال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] أخبر عن فنائه في اللّه بالكلية وبقائه باللّه . وأما مرتبة الكهانة : فلنفس الكاهن قوة غريزية جبلية قابلة لمطالعة نقوش الملكوت الروحانية غير كاملة في هذا المعنى ، فإنه يخبر عن الأشياء الغيبية الروحانية من غير الربانية فيكون في بعضها صادقا وفي بعضها كاذبا وليست له مرتبة غير هذا ، ولا نفوذ لتصرفه في الأعيان ، وإن كان في الأخبار صادقا ، وكان في الزمن الأول يعنون بالكهانة العلم ، وكانوا يسمون العالم بالعبرانية كاهنا ، وكان في التوراة اسم هارون أخي موسى - عليهما السلام - كهناديا ، يعني عالما ربانيا ، فلما جاء اللّه بالإسلام ونسخ أمر الكهانة صار هذا الاسم مذموما ، لانقراض تلك الأديان ، إذ كان في العرب رجال ونساء يتكهنون لهم وكانوا يختلفون إليهم في استعلام خبر الغائب وتدبير الأمر المحذور ، واشتباه النسب وكان الكاهن يسجع لهم ويخبرهم به ، وكانت سوابح الأسجاع في خواطرهم كسوانح الطير والوحش لأصحاب الطيرة ، والواردات للرهابنة ، وأصحاب الصوامع . وقد رويت في ذلك قصص وأخبار كثيرة ، وربما تحاكموا إلى الكاهن فيخبئون

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2157 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .